على ظهر الميزان

خاطرة طالب عربي في ألمانيا يزن تجربة الغربة: الكتابة بالعربية على لوحة لاتينية، وتعلّم الألمانية، واكتشاف الذات بين النجاح والفشل.

أسامة بن خالد
آخر تحديث 4 دقائق قراءة 572
تمثال يحمل ميزانًا مع اسم الكاتب أسامة حجازي
في هذه المقالة

لم أُطق يومًا أن أشوّه جمال محبوبتي، وما ذلك باختياري؛ إذن لعلي أقصد أن يُشوَّه في بناء المجهول. فالمجهول هو ما لم تُعرف له هوية، وغايته التحقير؛ فكيف لمسلمة أن تضع الصليب في جيدها؟!

كيف لك أن تعبّر عن حبها بقطف الرؤوس لتلقيها صداقًا بين يديها؟! لعلهم ينتسبون إليها اسمًا وينفرون منها فعلًا، يعبّرون عنها معنًى ويطمسونها رسمًا. آللاتينيةَ ارتضيتم، و«الفرنكو» كتبتم؟ فتبّت يدٌ عن عمدٍ تهاونت!!

للكاتب، من كتب يكتب، يرصّ أحرفًا بلا معنى! وليست هذه صفة العظماء الذين ما انفكّوا يكتبون ويؤلّفون، وغدت الكتابة ساحة من لا ساحة له! فللكاتب أن يدعو على من شاء، ولك أن تؤمّن على ما تريد!

مع لوحة المفاتيح اللاتينية

وكما هي بداية كل مبتدئ، تلازمك صفة الطموح، ومن خلف الستار تنهشك الوساوس. اشتريت حاسوبًا محمولًا، ولكن للأسف لم يكن يحمل سوى الأحرف اللاتينية، والدجاجة في نقرها للحبوب تتفوق على مثلي في النقر على المفاتيح وقتَ أن كانت عربية! فتضاعف الجهد مرتين، وأضحيت أضرب أخماسًا بأسداس. شققت طريقًا طويلًا لم يصبر على محادثتي فيه سوى أمي، فهي تشاركني النقر على محمولها الحديث. وصدقًا، في جملة اعتراضية: لن يصبر على بطء حديثك وتلعثمك وسخافة أسئلتك ورخامتك، في مراحلك المتسلسلة، سوى أمك!

عرض عليّ صديق أن أشتري لاصقًا خُصّص لهذا الغرض، لكني رفضت، ورميت نصيحته بنصيحة آخر: «لا تتعاطَ المكمّلات وتباهيني بعضلاتك المصطنعة، بل تعاطَ المخدرات وأثبت لي جدارتك في التوازن بالسير على خط مستقيم!». علينا أن نتعاطى مع هذه الأمثال بحذر، فهي من جنس «بوس الكلب من تمّه تتوخذ غرضك منه» (مثل فلسطيني!).

وبالفعل تطورت قدراتي، وبتّ أهاتف الألمان دون أن أرى شفاههم. قد يرمي أحدهم أذنيّ بعشر كلماتٍ تتجاوز في سرعتها إدراكي للعربية في الثانية؛ لا أذكر تلك الجملة التي صاغها، فقد مرّت بمرحلة الترتيب العكسي وتُرجمت، ولم يصل إلى عقلي سوى خلاصة الثمر. وهكذا تمضي الحياة ويتنامى الإدراك هنيهةً تلو الأخرى.

ما تعلمته عن نفسي في الغربة

في جانبها الروحي أو النفسي تكمن الأسرار، ويستعصي على وصفها الواصفون. تعرفت على نفسي من قرب، وبتّ أدرك من أنا حقيقةً؛ فمن غير الإنصاف أن تحكم عليّ كـO2 (أكسجين) عند مكوثي مع H2 (هيدروجين)، فقد انتقلت من حالتي الغازية التي تتصف بالحرية والانتشار وأخذ حجم الحيز الذي توجد فيه، إلى سائلٍ هو سرّ الحياة كما صرّح القرآن؛ سائلٍ يتموضع في الحيز، ولكنه عند الغضب يعود إلى حالته الفوضوية ليتناثر في أجواء الغرفة.

بتّ أعرف مقدار حبي واهتمامي الحقيقي في صلتي بربي (بالصلاة) التي هي عماد الدين (الحياة). قد أكتشف حقيقة نفاقها، إذ تُجمّل صلاتها عند الحاجة كما في مقابلة العمل، بل أدهى من ذلك: فبعد توقيع العقد قد يُقدَّم العمل على الصلاة بأرخص الأعذار وأبشعها، مع أن الفرص متاحة والأمر يسرٌ ويسير.

الحمد لله أن خلقنا بعشرة أصابع لنعدّ بالطريقة العشرية، وإلا لو بدأنا حياتنا بالعدّ الثنائي لاستعصى عليّ أن أقدّر قيمة اللاشيء؛ فالأمر بين الـ0 (صفر) والـ1 (واحد)، لا قيمة للانتصاف أو التوسط، بل أرجوحة بين الخير والشر، صح أو خطأ، في أبسط المناطق.

لن أعطي للسفر 1، وكذا لن أقيّم أدائي بـ0: تعلمت واستفدت وأتقنت، وفي الكفة الأخرى انهزمت وتألمت وفشلت، ولا معنى للنجاح بلا فشل. نعم نعم، ليس المهم أن تكون ناجحًا في أعينهم، فلن يغفو معك سوى عقلك وقلبك.

عادةً ما يسرد العقل أحداثًا من سنة أو سنوات بالقلة، أو سنين بالكثرة؛ لا تجعلها «دراما» تحاكيها بقلبك ثم تقطر عليها دمعة حلوة كاذبة، بل اجعل من دمعتك حبرًا، وسُنّ من ذكراك قلمًا، واغمسه بدموعك، وسطّر تغذيتك الراجعة على ناصيتك الكاذبة التي تؤمّلك بالخير وتغفو بك الدهر، فلا يزال هناك مزيد من الوقت.

حكمة الختام

وفي الخاتمة حكمة من الدهر قالت: لا تشترِ لي (يابا) مقعد طب في الأزهر وتنثر عليّ المال نثرًا، ولا توقظيني (يمّا) كي أتناول فطورك الزاكي، ولا تكوي لي (يختي) ملابسي المبتذلة (فأنا طبيب الحارة)، بل دعوني أفعل ذلك وحدي، فلا تأمنون حياتي معكم طويلًا، وما أنا فاعل بغيركم؟! وتحلّلوا من أعبائي الثقيلة، فلست طفلًا في هيئة رجلٍ قيل فيه:

وما يغريك طول الجسوم وعرضها *** جسم البغال وأحلام العصافير

من اليوم، إنتَ إلي من اليوم!

اقرأ أيضاً: وحل البداية – خاطرة لأسامة حجازي · قصيدة مرآة الواقع

هل أفادتك هذه المقالة؟

رأيك يساعدنا على تحسين المقالات.

ما شعورك بعد قراءة المقالة؟

3 تفاعلات
الكاتب أسامة بن خالد

كنت أعمل حداداً، فقالوا لي: لمَ لا تدرس الطب في ألمانيا؟ فوافقت وسافرت، وها هي الحياة تمضي. وُلدت قبل نهاية القرن العشرين بخمس سنوات، فلعلّي «مخضرم».

مقالات ذات صلة