مغترب في بلدي، ولكن إلى متى؟!

خاطرة شاب من غزة شعر بالغربة في وطنه قبل أن يغترب في ألمانيا، بين الانقسام والتحزب وحلم السفر.

أحمد خليل
أحمد خليل
آخر تحديث 3 دقائق قراءة 359
شخص يقف في حقل تحت سماء غائمة في صورة بالأبيض والأسود
في هذه المقالة

في الواقع، أنا مغترب في ألمانيا، مغترب بكل ما تعنيه بشاعة هذه الكلمة من معنى، بكل تفاصيل العذاب، بكل تفاصيل الحرمان، بكل ما تؤول إليه كلمة «مغترب» من الذكريات المؤلمة. نعم، أنا مغترب، وكان ذلك اختياري، ولذلك لا أجرؤ على أن ألقي اللوم على أحد. نعم، لا أنكر البتة أن اغترابي كان مفترقًا فاصلًا في حياتي، قلبها رأسًا على عقب، ولا أدري أكان إلى أحسن حال أم إلى أسوأ.

ولكن أجزم لكم أني قد شعرت بالاغتراب أكثر في بلدي، الذي لم أعرف غيره منذ أن بدأت ألتقط أنفاسي في هذه الحياة. فأول أنفاس استنشقتها في حياتي كانت في هذا الوطن، الذي «لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي»، في موطني الذي لا أعلم إن كان موطني حقًّا؛ فأنا ابن فلسطين، أقطن في قطاع غزة، المكان الذي أُجبر جدي وجدتي على الهجرة إليه عام 1948.

غربة في الوطن

خرجت إلى حياة تملؤها القسوة والرعب والحرب والجوع. تعلمت معنى الشهامة والتضحية، وتعلمت معنى العطاء، وتعلمت أن أكون ملك نفسي؛ فكذلك نحن أبناء فلسطين. أنحاز لهم ولو على باطل، وأجدهم أنقى القلوب ولو بعثرتها بعض الشوائب. أحببت جدًّا أدقّ التفاصيل في وطني وأبناء وطني، وأتذكر تلك القلوب الصافية التي لا تعرف حقدًا ولا غلًّا.

كبرت قليلًا، وكبر همّ الوطن معي وأرهق كاهلي، حتى وصلت إلى تلك اللحظة التي غيّرت مجرى تفكيري، عندما بدأ شعبنا بالعزوف عن المقاومة إلى الجري وراء الأحزاب. هنالك أحسست بالضياع والتشتت، ورأيت تلك العصبة القوية التي افتخرت بها طويلًا تتمزق أمامي. حقدت على الأحزاب وعلى عقول المتحزبين الصمّاء الخاوية التي لا ترى حقًّا إلا في حزبها، ولا ترى باطلًا إلا في حزبٍ يناكفها في الصراع على ذلك الكرسي الملعون!

هنا بدأت بالتفكير تارة أخرى!! يا لحماقتي، كنت أعتقد أن هذا الشعب لا يفرّقه شيء!! وكنت للأسف مخطئًا؛ فحلاوة المنصب غيّرت نفوسًا، وقاتلت نفوسًا، وبثّت الحقد والكراهية في نفوس.

كرهت هذا، وبدأت بعزل نفسي عن ذلك المجتمع الحزبي المتعصب، وعن بعض العقول التي لا ترقى إلى أن تكون عقولًا بشرية. حقدت على الأحزاب وعلى التحزب، فلا يحق لنا جميعًا أن ننتمي لحزبٍ غير عشق فلسطين.

الحلم بألمانيا

في الصف الحادي عشر بدأت فكرة الحنين إلى الغربة تشغل عقلي وأنا في وطني. أحنّ إلى غربة وأنا في وطني، يا لسخرية القدر!! أردت أن أسابق الزمن، وتمنيت حقًّا لو كانت هنالك آلة زمن تُسرع انتشالي من هذا المستنقع الأليم، لأنهي فترة دراستي في المدرسة، حتى أحزم حقائبي وأودّع ذلك الوطن الغريب الذي لا تأخذ فيه حقًّا إلا إذا كنت «ابن تنظيم فلان، ولو كنت ابن تنظيم تاني يا ويلك، ولو مالك فيهم فراحت عليك»!

مجتمعي كان باختصار يحارب الناجح، ويُحبط القدرات، ويشجّع على الفشل، ويحطّم الأحلام، ويحسد وينقم! وما زلت أتساءل: هل هذه أعراض سرطان الانقسام، أم أنها مترسخة في مجتمعي، لكني كنت صغيرًا ذات يوم فلم أستطع أن أميّزها؟!

بعدما أنهيت الثانوية بدأتُ مشروع البحث عن ألمانيا. نعم، هي ألمانيا، كانت حلمي منذ فترة طويلة، سعيت إليها وحاربت من أجل تحقيق هذا الحلم. تيسّرت الأمور بحمد الله، وما رأيت نفسي إلا داخل مطار برلين: ماذا أفعل هنا؟! كان الأمر كحلم، بسرعة البرق، لكنه يراودني دائمًا، ولم أنسَ أي تفصيلة من لحظة خروجي من البيت حتى وصولي إلى برلين.

ماذا فعلت بعدها وكيف سارت معي الأمور؟ أسرد ذلك في موضوع منفصل…

يُتبع…

من كتاباتي عام 2012 – أحمد خليل

اقرأ أيضاً: Eine Reise in die nahe Ferne

هل أفادتك هذه المقالة؟

رأيك يساعدنا على تحسين المقالات.

ما شعورك بعد قراءة المقالة؟

كن أول من يتفاعل
أحمد خليل
الكاتب أحمد خليل

مسلم الديانة، فلسطيني الهوية. أكره التحزب، وأميل إلى الوطنية والمبادئ. مسؤول «طلاب فلسطين في ألمانيا».

مقالات ذات صلة