وحل البداية – خاطرة لأسامة حجازي
خاطرة طالب فلسطيني عن أيامه الأولى في برلين: البحث عن سكن، ورحلة تسجيل السكن (Anmeldung)، وطوابير دائرة الأجانب (Ausländerbehörde) للحصول على الإقامة.

تصف السطور التالية بداية الكاتب في برلين وقت كتابة النص.
ثلاثون يومًا، ولعلها إلى العام أقرب، أن تنسلخ عنك حياة ألفتها، أو أن تتبدل المفاهيم من حولك، أو حتى أن تُفجَع بالأقنعة المتساقطة، كأن تقرأ ما غيّبته عنك التكنولوجيا…
دعك من هذا كله… أما أن يجذبك التيار إلى دوامة الضياع!! ليس ضياع المكان، كأن لا تعرف الطريق إلى البيت أو أن تتشتت في محطة القطارات، ولا أيضًا ضياع الأفكار والروح، كأن تتلذذ بلذع الخمر وحموضتها أو أن تدخن الماريجوانا كي تنسى ما ألمّ بك، ولا حتى أن تجذبك امرأة العزيز بطرفة عين، ولا أن تعاين الـ«إيمو» ولا الـ«شفول» عن قرب! لا لا، ليس هذا ما أريد؛ فمن ذاق طعم الموت ورآه عين اليقين ليس كمن سمع عنه من خطيب الجمعة أو قرأ عنه كتابًا من العصور الذهبية…
البحث عن سكن وتسجيله في برلين
لن تخطر ببالك أي لذة، ولن يراودك أي متاع، بل لن تشتاق إلى أي صديق ولا حبيب!! سيمرّ بك الصبح ليتلوه الظهر، وقد حملتك الأقدام إلى مكان لا تعرفه بين الأزقة وعلى الطرقات، تبحث عن سكن!
وفي لحظة بائسة من التفكير سيختطفك منتصف الثانية عشرة لتمضي ثلاثة أرباع الساعة في عالم سفلي تتنقل بين المحطات إلى محطتك الأساسية Schönleinstraße، حيث معهد اللغة الخاص بك، وبعد ذلك ستمضي مثلها في العودة إلى البيت، لا لتبيت، بل لتسأل كل من حرّك لسانه بالعربية: «ممكن أسجّل سكني عندك؟». طبعًا لو ما سجّلت سكني خلال فترة الفيزا كان رجعت لأهلي والحبايب مرة أخرى!
(للعلم، لمن يجرّب ويسافر: تسجيل السكن (Anmeldung) والبحث عن سكن في برلين من عجائب الدنيا السبع!) ولعل الجواب أعذار ومعاذير، لكن ما ماتت نخوة العرب والحمد لله.
وأتقدم بالشكر الجزيل للجندي المجهول الذي قام بالمهمة وسجّلني عنده… «ربنا يريّح باله».
الإقامة وطابور دائرة الأجانب (Ausländerbehörde)
لربما انشرح الصدر بعد التسجيل، لكن ليس هذا كل شيء؛ فلربما ستضطر إلى المبيت على بوابة دائرة الأجانب (Ausländerbehörde) كي تحصل على الإقامة، وإلا فالطابور يُتمّ الستين في تمام الخامسة صباحًا!! لكن، وبحمد الله، حصلت على الإقامة، وأنا في انتظار الاستقلال…
حكمة اليوم: «اللي بطلع من داره بيقلّ مقداره».
اقرأ أيضاً: على ظهر الميزان · حينما يطول الليل
هل أفادتك هذه المقالة؟


