إياك وتفكير المراهقة – بقلم هيما عبد

قصة شاب من غزة ترك دراسته وسافر إلى ألمانيا بحثًا عن الحرية، فوجد الغربة والندم، ونصيحته لكل من يفكر في الهجرة بتسرّع.

Hima Abed
آخر تحديث 3 دقائق قراءة 1,140
رسم رمزي لشخص يحمل حقيبة وسط مياه تحيط بها أسماك القرش
في هذه المقالة

سأروي قصتي مع الغربة باختصار، أملًا في أن يستفيد منها شخصٌ ما.

من غزة إلى حلم الحرية

كنت شابًّا من سكان قطاع غزة، وكان المحيط العام من حولي سيئًا أخلاقيًّا. كان أبواي، مثل كل الآباء، يخافان على أبنائهما خوفًا رهيبًا، فكان نظام حياتي كالتالي: مدرسة، دراسة، مسجد، نوم. لم تسنح لي الفرصة لمخالطة العالم الخارجي. لا ألقي اللوم على والديّ، فكل همّهما كان حمايتي من وساوس من حولي من جيراننا وأبناء عمي.

كبرت وترعرعت على هذا النظام، فشعرت بالملل الخانق، وأصبح كل همّي أن أسكن وحيدًا دون أن يملي عليّ أحدٌ أوامره أو أن يسيطر على أفعالي. كنت كأي شاب مراهق يسعى وراء الحرية، وبشرط أن تكون بلا قيود.

درست في الجامعة بعد نجاحي بتفوق في الثانوية العامة، وتخصصت في اللغة الإنجليزية وآدابها، وكنت الأول على دفعتي سنتين متتاليتين. لكن مللي من الحياة زاد، وزاد كرهي لروتين حياتي. أصبحت أقترح فكرة السفر على والديّ ليل نهار دون ملل، حتى أتت الفرصة التي طالما انتظرتها، ووافق أبي.

أنجزت ما عليّ من أوراق ومعاملات، وسافرت…

من فرحة الوصول إلى نار الندم

عند وصولي إلى ألمانيا لم أهتم إن كانت ألمانيا أو أمريكا أو حتى الصومال؛ كانت فرحتي أنني امتلكت حريتي أخيرًا.

مرّ الشهر الأول والثاني والثالث والرابع، ولا تجد في العالم كله أسعد مني.

يمضي الوقت بسرعة كبيرة؛ فبالأمس القريب كنت واقفًا على المعبر أودّع أهلي ودموعهم تنزف مطرًا، وقلبي يرفرف فرحًا، وها أنا بعيد عنهم ما يقارب ستة أشهر وما زلت أشعر بالبهجة نفسها.

أكلّم أهلي نحو ثلاث مرات أسبوعيًّا. يقابلونني والحزن مرسوم على وجوههم، وأقابلهم بالفرحة؛ يقابلونني بذكرياتي معهم، وأقابلهم بأيامي الجديدة. ويمضي الوقت، ولكن مع مروره أصبحت أشعر أن شيئًا ما ينقصني، لا أعرف ما هو تحديدًا. صارت فرحتي تقلّ شيئًا فشيئًا دون أن أعرف السبب، وأصبحت أتصل بأهلي وإخوتي كثيرًا.

مضت أول تسعة أشهر، وأصبحت السعادة شيئًا من الماضي. صرت أسهو وأصحو على دموعي تعانق خدي، وأصبحت دمعتي تنتظر أن ترى صورة لأحد إخوتي أو أن أتذكر موقفًا ما، فحتى ابتسامتي للموقف تعانقها الدموع.

مرت السنة الأولى ولم أستطع أن أكمل الفراق، فزرتهم لأول مرة. شعرت كيف أثّر بُعدي فيهم، وكيف يتقرّبون مني باشتياق وفرحة تعبّر عن كل ما في القلب، من صغيرهم إلى كبيرهم. وانتهت الأسابيع القليلة سريعًا، وعدت إلى الغربة الجافة التي لا تملك رحمة ولا ضميرًا، وزادت نار الندم أكثر فأكثر.

تركت دراستي وأنا الأول على الدفعة، وتركت أهلي وأصحابي وجيراني وذكرياتي. ضيّعت أهم فترة في حياتي، وهي شبابي، في مكان لم تكن فيه ذكرياتي؛ لم نجلس فيه أنا وصديقي، ولم نضحك فيه أنا وأخي، ولم أحفر على جدرانه سعادتي وأحزاني.

وبعدها تجبرك الحرب على عدم النزول (2012)، ثم مشاكل مصر، ثم حرب 2014.

نصيحتي لمن يفكر في الهجرة

هذه قصتي مع غربتي، وأنا أعلم أن الكثير والكثير، بل والكثير، مثلي؛ منهم من وقع في غلطتي، ومنهم من يوشك حاليًّا أن يقع فيها…

يا أخي، يا من تفكر بطيش وبمراهقة، وتريد الهجرة هروبًا من أي سبب تافه: فكّر جيدًا قبل الشروع في العمل، فإذا وصلت إلى هنا، إلى بلاد الغربة، فقد انتهى وقت التفكير، ووجب عليك العمل وتحمّل الغربة.

أنتم تعلمون عقلية مجتمعاتنا؛ إذا غيّرت رأيك هنا وقررت الرجوع فأنت تعرف ماذا ستسمع عن نفسك، وأقلّه أنهم سينعتونك بـ«الفاشل».

فكّروا جيدًا، فالقرار في هذا الخصوص قرار مصيري.

اقرأ أيضاً: على ظهر الميزان · من مذكرات مغترب – بقلم أنس عمرية

هل أفادتك هذه المقالة؟

رأيك يساعدنا على تحسين المقالات.

ما شعورك بعد قراءة المقالة؟

4 تفاعلات
الكاتب Hima Abed

من كُتّاب «طلاب فلسطين في ألمانيا» في ركن الخواطر. من النصوص المنشورة: «إياك وتفكير المراهقة»، نص تأملي عن النضج وتحمّل المسؤولية.

مقالات ذات صلة