العراك الطويل في الـ«أنا» و«هم» وإشراك الـ«نحن» في الحال الذليل

خاطرة ساخرة عمّن يتبرأ من قومه بعد شهر في الغربة، وعن الفرق بين «أنا» و«هم» و«نحن» في لغتنا وسلوكنا.

أسامة بن خالد
آخر تحديث دقيقتا قراءة 496
أطفال يقفون تحت المطر ويحمل بعضهم مظلات
في هذه المقالة

العراك بين أنا وهم ونحن

أدمن أحد الأصدقاء الابتداء بـ«مما لا شك فيه» عند الكتابة، وها أنا أحذو حذوه؛ فالأمر بيني وبينه بانتصاف، وإنما أدوّن بعض الارتصاف…

مما لا شك فيه أن باب الإباحة جاء بما يسع أهل الأرض وكل من عليها جال، ولكن بعضًا من شتى الملل والنحل أرّقهم الحال، فبدؤوا بالتضييق والتشديد بما ظنّوه الصائب الموال، وعند الله العلم وإليه المآل.

ألم ينادِ الحبيب: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»؟ صلى عليه ربي وسلّما *** ما لاح نجمٌ وسط السما.

شتّان بين «أنا» و«أنا»

لكن شتّان يا صاحبي بين من قال: ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾ فـ﴿رآه مستقرًّا عنده﴾، وبينه عندما قال لنا: «أنا لكم»، فما حظينا منه بغير الكَلِم، ولئن جئته وعاتبته فهو كالأصمّ الأبكم!

وشتّان يا صاحبي بين من قال: ﴿إني حفيظ عليم﴾ فأدّى الأمانة بما عُهد إليه، وأوفى الله وعده واتكاله عليه، وبين من ما انفكّ يحدثني عن أنه وأنه، وإني لأرى الغرور بائنًا على سِنّه!

بين «أنا» و«هم» و«نحن»

أتذكر عندما أتى إليك الأستاذ خلسةً وسأل: «من فعل كذا… إلخ»؟ لِمَ يا ترى كانت إجابتك قبل أن يسكن لسانه بـ«هم»؟ أم أنك تبرأت منهم وقد زعمتهم قبلها بثوانٍ؟

لِمَ يا صاحبي تساقطت حروفك مبعثرة، ولطالما أرعدت فؤادي بـ«إني رجل من قومي»؟! أليس اكتمال الإيمان مرهونًا بأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك؟!

أم أن استعمال الضمير قد خانك؟ لا… لا تقل لي ذلك، لا تحدثني عن أنك بتّ لا تميّز بين الـ«أنا» و«هم» إلا عند مصالحك الشخصية، وقد رُدتَنا أعوامًا بفصاحة لسانك وسلطان بيانك!

لِمَ يا صاحبي بتّ كثير الخطأ، فـ«أنا» ساوت «نحن» في قاموس لغتك، وركنتَ «المحيط» و«العين» و«الصحاح» جانبًا؟ أم أنك رمت ما لم يرنُ إليه من قبلك أحد، حينما جلست على كرسيك وطوّفت في شبكة العنكبوت خمسًا، ولربما رحلت عن وطنك شهرًا، فصرت إلى غيرك تنتسب، وعلى أهلك تحتسب، ولقوميتك كلتَ السبّ؟!

لا أدري لِمَ كنت كذلك، لِمَ أخرجت ما في باطنك على صفحاتك؟ لِمَ أسقطت شوائب نفسك وعيوب خُلُقك على بني جنسك، أقصد أهل منطقك (العرب)؟ وفي كل مرة لا تزال تمتحن صبري فيك وتقول: نحن العرب كيت وكيت! ووالله ما قلتَ إلا بما هو مستقرٌّ فيك ونابعٌ من سوء طبعك!

راجع ضمائر العربية

أعرفتَ ماذا أريد؟ راجع ضمائر العربية جيدًا، ثم قل بها أنّى شئت؛ فنحن العرب وُلدنا لنكون أهل عزّ وفخر، وإنما خُلقتَ وغيرك لتردّوا عنا عين الحاسد، ولتُبينوا منا الشامت.

اقرأ أيضاً: Eine Reise in die nahe Ferne

هل أفادتك هذه المقالة؟

رأيك يساعدنا على تحسين المقالات.

ما شعورك بعد قراءة المقالة؟

كن أول من يتفاعل
الكاتب أسامة بن خالد

كنت أعمل حداداً، فقالوا لي: لمَ لا تدرس الطب في ألمانيا؟ فوافقت وسافرت، وها هي الحياة تمضي. وُلدت قبل نهاية القرن العشرين بخمس سنوات، فلعلّي «مخضرم».

مقالات ذات صلة