من مذكرات مغترب – بقلم أنس عمرية
خاطرة مغترب فلسطيني عن لحظة الوداع في المطار، وثقل أمنيات الأهل، وحقيقة الغربة التي لا تشبه ما يُحكى عنها.

في هذه المقالة
حين هجرت تلك السماء، وأغلب الظن أنها هي من هجرتني، ظننت أني سأسلك بتلك الوريقات التي أُرهقت حتى حصلت عليها على بساط علاء الدين إلى تلك السماء: إلى حياة الترف، إلى التحضر والتقدم والصناعة، ومالٍ وعلمٍ ورفاهية، وإلى ما قالوه من حرية وراحة بال… إلخ.
حين ودّعت الأهل والأحباب، أوهمني المارّون بتلك البلاد بأني الآن حرٌّ طليق، وأن قيدي قد فُكّ من ثقلٍ اجتماعي يُرهق شبابنا، بحسب ما قالوا، وبغير ما أنا قلت.
لا شيء يُسمع في تلك اللحظات سوى دموعٍ وكلماتٍ لا يحقّ لقواميس البشر ولا معاجمهم أن تأخذ شيئًا من حروفها، وهي التي تعجز أصلًا أن تُعربها، لمّا رأيت رجلًا يبكي، وشبابًا تميل على كتفي تسرد لي كل طفولتنا وشريط ذكرياتنا بلغة الدموع.
دمعة أمي، التي ذهبت بقلبي بعجزٍ لا يعلمه إلا الله، تكفي لأن تهوي بكل ما سردوه من مغرياتٍ واهية إلى نارٍ تصلينا، بدلًا من تلك الجنة المزعومة.
في المطار، وأنا أجرّ أمتعتي الثقيلة التي ما أثقلتها إلا الدموع، يُثقل كاهلي ما هو أثقل من أمتعتي تلك: أمنياتٌ رسموها هم لي قبل أن أرسمها لنفسي، والمستقبل ذو الثوب الأبيض الذي هفت إليه قلوبهم، وما زالت، أكثر مما هفوت أنا إليه.
حياة كحياة البرزخ
هناك أيضًا حياةٌ كحياة البرزخ، وكأن منكرًا ونكيرًا يأتيان:
ماذا لو فشلت؟!
وماذا تفعل؟
لمن تترك الصباح ودعوة الأم في الصباح؟ لمن سريرك وصديقك وزيتونك؟
أخاك الصغير وبسمته، قبلة أبيك، القهوة وخبزنا العربي وزيت الزيتون؟!
وكل ما لم تكن تراه، أو لم تكن تشعر بقيمته، لن تراه هناك.
حينها، وهناك، كأني العاصي إذا ما تاب واستفاق، ولكن إلى أين؟ فباب التوبة قد أُغلق!
الغربة ليست كما تظنون
الغربة يا أحبتي ليست كما ظننتم وتظنون. نواسي أنفسنا بأهلينا من وراء الشاشات، وكأن أحدنا أسيرٌ ينظر إلى حريته من وراء القضبان، ونؤازر أنفسنا بحياةٍ أفضل ربما تأتي، وكأن فقدنا هذا قليل.
أما عني وعن بقائي هنا، وما يربط على قلبي، فهو أني احتسبت أمري هذا جهادًا في سبيل ربي ووطني، ولولا هذا السبب ما بقيت هنا لحظة واحدة.
أما أنتِ يا أمي، يا أجمل أيامي، فاغفري لي قطع وصالي، وأستغفر الله ربي لدموعكِ وفراغ قلبكِ، وأسأل الله أن يربط على قلبكِ كما ربط على قلب أم موسى.
ويا أبي، فأنا كما ربّيتني وكما عاهدتك.
ويا وطني، لا أقول لك أنت في القلب باقٍ، فأنت القلب جُلّه والله.
ويا قريتي وإخوتي وصحبي وأحبتي، فإني قد اشتقت إليكم،
حتى إني اشتقت إليكم قبل الرحيل…
والسلام عليكم ورحمة الله.
بقلم: أنس عمرية
اقرأ أيضاً: الذنب بالذنب والبادئ أظلم – بقلم أسامة بن خالد · إياك وتفكير المراهقة – بقلم هيما عبد
هل أفادتك هذه المقالة؟


